محمد أبو زهرة
110
المعجزة الكبرى القرآن
أتباعهم أوصاف أتباعه ، والمستضعفون مأكولون في عهودهم ، كما هم مأكولون في عهده . وبعد تصوير اللّه تعالى طغيان فرعون ، كان من نسق البيان الرائع أن يذكر نهايته ، وأنه إذا وصل الطغيان إلى أقصى حده ، كانت النهاية ، لذا ذكر سبحانه وتعالى في مقابل إرادته الإفساد ، وكونه متغلغلا في كيانه ذكر في مقابله إرادة اللّه تعالى ، وإرادته سبحانه فوق كل إرادة ، ولو كانت طغيان فرعون ، ولذا قال سبحانه في بيان إرادته وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( 5 ) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ ( 6 ) . [ القصص : 5 ، 6 ] إرادة طاغية مغرورة مستكبرة ، وهي إرادة الطغيان ، وإرادة كريمة معطية مانحة مانعة من الشر والعبث ، وهي إرادة اللّه سبحانه وتعالى ، فهو سبحانه يمن على المستضعفين ، ونجد هنا تعميما في المن ، فلم يذكر سبحانه وتعالى ما يمن به ، بل كان التعميم ، فهو سبحانه يمن عليهم بالحرية بعد الاستعباد ، ويمن عليهم بالقوة بعد الضعف ، ويمن عليهم بالعزة بعد الذلة ، ويمن عليهم بالثمرات بعد الجدب ، وهكذا تتعدد النعم التي يمن بها سبحانه وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] . وكل هذه المعاني هي بعض ما تدل عليه كلمة نمن ، وخص سبحانه من بين هذه النعم التي يمن بها نعمة كبيرة هي الخلاص من حكم فرعون إلى أن يكونوا أئمة ، أي ولاة لأنفسهم لا يملك أحد التحكم فيهم ولا السيطرة ، فكل حر أمير في نفسه ، ويجعل منهم أمراءهم وأولياء أمورهم ، لا يفرض عليهم أمير لا يرضونه ولا ولى من غيرهم ، وآراؤهم في حكمهم هي الغالبة فلا يحكمهم متحكم ، ولا يسيّر أمورهم متغلب ، فانظر كيف جمعت الكلمة كل هذه المعاني ، وجاءت من بعد ذلك كلمة تدل على كمال إرادته سبحانه في هذا الوجود فقال : وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ، ونجد أنه سبحانه لم يبين الموروث ، وفيه إشارة إلى عموم ما آل إليهم ، إذ إنهم سيخلفونه في جنات وعيون ، وكنوز ومقام كريم ، ولكن يكون لهم هذا إذا استقاموا على طريقة الحق ، ولم يخرجوا عن جادته ومنهاجه ، وغير ذلك . بعد هذا يبين سبحانه وتعالى أن طغيان فرعون انتهى بالفناء وأن يذوق عاقبة أمره ، كما اغتر أصحاب الحديقة بحديقتهم المذكورة ، فقال تعالت كلماته : وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ .